اسماعيل بن محمد القونوي
123
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ونظروا إليها مفردة ) أي نظروا إلى القوى الثلاثة مفردة أي غير مجتمعة الأوليان مع الثالثة اجتماعا بحيث لا تكون القوتان مهذبة مطواعة للعقل ولا يريد نفي الاجتماع مطلقا إذ علمهم بأن له ذا ثلاث قوى يأبى عنه فإنه يقتضي الاجتماع لا محالة لكن لما لم تكونا مهذبتين مطواعتين للقوة العاقلة فكأن اجتماعها كلا اجتماع لعدم ترتب فائدة الاجتماع عليه فنزل وجوده لعدم غنائه منزلة العدم كسائر الموجودة المنزلة منزلة العدم لعدم غنائه فلا إشكال أصلا . قوله : ( وقالوا وأما الحكمة في استخلافه ) حمل السؤال بالآخرة على الاستفسار عن الحكمة فحينئذ الاستفهام على حقيقته واختار لفظة ما الموضوعة للسؤال عن الجنس والماهية لأنه خفي عليهم جنس الحكمة التي غلبت تلك المفاسد فسألوا عنها والمعنى وكأنهم قالوا ما الحكمة أي أيّ أجناس الحكمة المرجحة ( وهو باعتبار تينك القوتين ) جملة حالية مقررة لما سبق قوله ( لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلا عن استخلافه ) لتقوية ما ذكره لا لأنه حمل الجعل على معنى الخلق كما فهم ذلك من كلامه بعضهم لأن قوله في مواضع عديدة يستخلف وقوله هنا ما الحكمة في استخلافه صريح في الحمل على معنى التصيير وأيضا قد عرفت أن تعجب الملائكة من خلق من يفسد بلا ملاحظة الخلافة ليس بمستقيم ولو كان مراده ما قيل لقال ما الحكمة في خلقه ثم ما ذكره المصنف هنا حاصل المعنى لأجل المبنى وللّه دره حيث أشار إلى لطائف عديدة في مواضع متفرقة فقال أولا تعجب ا ه فأشار إلى أن المسؤول عنه هو الجعل فوجد المراعاة لقاعدة أن المسؤول عنه يلي الهمزة وقال ثانيا واستكشاف عما خفي ا ه فأشار إلى أن السؤال عن الجعل باعتبار حكمته لا باعتبار ذاته وقال ثالثا واستخبار عما يرشدهم ا ه فأشار إلى أن سؤالهم سؤال استرشاد لا تعنت والعناد وقال هناك ولا طعن تأكيدا لذلك وهنا قال قالوا ما الحكمة الخ . لما قال هناك عما خفي عليهم من الحكمة ولا ريب أن الاستفهام لا تعدد لذكره في النظم الجليل فلا جرم أن ما ذكره حاصل المعنى ( وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم بما يتوقع منها سليما عن معارضة تلك المفاسد ) . قوله : ( وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل متمرنة على الخير ) منشأ الغفلة عدم خلق اللّه تعالى العلم الضروري بذلك لأن يتصدوا للسؤال المذكور ولتظهر فضيلة آدم عليه السّلام بالجواب عن سؤالهم ولعلهم لم يشاهدوا أهل الصلاح من الجن وإلا فكيف ذهلوا عما ذكر فإن تهذيب القوتين وكون كل واحدة منهما مطواعة للقوة العقلية متحققة في الجن لكن عدم مشاهدتهم ذلك بعيد ولو حمل قوله : ونظروا إليها أي إلى القوة العقلية مفردة فقالوا نحن بهذه القوة نقيم ما يتوقع منها أي من هذه القوة العقلية وهي المعرفة والطاعة والإصلاح وعمارة الأرض المرادة من الاستخلاف وغفلوا عن الفضائل الحاصلة عن اجتماع تينك القوتين مع العقل إذا كانتا مهذبة عن دنس بعض ما هما تتعلقان به من المحظورات شرعا فإن القوة الشهوية والغضبية إذا هديتا انقلبتا عفة وشجاعة .